القرطبي

214

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

" ذرية " مفعولا ثانيا ل‍ " تتخذوا " ، ويكون قوله : " وكيلا " يراد به الجمع فيسوغ ذلك في القراءتين جميعا أعني الياء والتاء في " تتخذوا " . ويجوز أيضا في القراءتين جميعا أن يكون " ذرية " بدلا من قوله " وكيلا " لأنه بمعنى الجمع ، فكأنه قال : لا تتخذوا ذرية من حملنا مع نوح . ويجوز نصبها بإضمار أعني وأمدح ، والعرب قد تنصب على المدح والذم . ويجوز رفعها على البدل من المضمر في " تتخذوا " في قراءة من قرأ بالياء ، ولا يحسن ذلك لمن قرأ بالتاء لان المخاطب لا يبدل منه الغائب . ويجوز جرها على البدل من بني إسرائيل في الوجهين فأما " أن " من قوله : " ألا تتخذوا " فهي على قراءة من قرأ بالياء في موضع نصب بحذف الجار ، التقدير : هديناهم لئلا يتخذوا . ويصلح على قراءة التاء أن تكون زائدة والقول مضمر كما تقدم . ويصلح أن تكون مفسرة بمعنى أي ، لا موضع لها من الاعراب ، وتكون " لا " للنهي فيكون خروجا من الخبر إلى النهى . قوله تعالى : وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا ( 4 ) قوله تعالى : ( وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب ) وقرأ سعيد بن جبير وأبو العالية " في الكتب " على لفظ الجمع . وقد يرد لفظ الواحد ويكون معناه الجمع ، فتكون القراءتان بمعنى واحد . ومعنى " قضينا " أعلمنا وأخبرنا ، قاله ابن عباس : وقال قتادة : حكمنا ، وأصل القضاء الاحكام للشئ والفراغ منه ، وقيل : قضينا أوحينا ، ولذلك قال : " إلى بني إسرائيل " . وعلى قول قتادة يكون " إلى " بمعنى على ، أي قضينا عليهم وحكمنا . وقاله ابن عباس أيضا . والمعنى بالكتاب اللوح المحفوظ . ( لتفسدن ) وقرأ ابن عباس " لتفسدن " . عيسى الثقفي " لتفسدن " . والمعنى في القراءتين قريب ، لأنهم إذا أفسدوا فسدوا ، والمراد بالفساد مخالفة أحكام التوراة . ( في الأرض ) يريد أرض الشام وبيت المقدس وما والاها . ( مرتين ولتعلن ) اللام في " لتفسدن ولتعلن " لام قسم مضمر كما تقدم . ( علوا كبير ) أراد التكبر والبغي والطغيان والاستطالة والغلبة والعدوان .